أخبار الساعة
- 17:29 بيان من لجنة الوحدة الوطنية يطالب فيه العرب والعالم بدعم المزيد
- 17:22 بيان:لجنة الوحدة الوطنية تطالب المجلس الوطني بتصحيح الأداء،حتى لا نصبح المزيد
- 16:50 وكيل وزارة الخارجية الكويتية يبلغ السفير السوري بطلب مغادرته الكويت
- 14:03 عاجل ... لجان التنسيق المحلية: عناصر الشبيحة في حمص تقوم المزيد
- 03:41 دول عربية عدة ستباشر في غضون ايام بوقف تنفيذ مشاريع المزيد
- 21:27 عاجل: تجمعات شبابية من قرى السويداء تفك الحصار عن شها المزيد
- 21:21 عاجل ... السويداء: كتائب الأسد تحاول اقتحام منزل رجاء الطويل المزيد
- 19:51 عاجل... الهيئة العامة للثورة السورية: كتائب الاسد تبدأ حملتها العسكرية المزيد
- 19:24 لبنان: اطلاق قذائف "آر بي جي" اثر شيوع نبأ المزيد
- 18:53 عاجل: أنباء عن مقتل رئيس الحرس الجمهوري السوري مناف مصطفى المزيد
| ســكّـــر زيـــــــــــادة |
|
|
|
| الأحد، 28 فبراير 2010 - 16:03 | |||
جنى الحسن --جيراننا الذين يتلصصون على أحوالنا، استيقظوا أيضاً، من دون أن تطرق أبوابهم الفراشات. هدرت المحركات وفاحت رائحة الخبز من الفرن المجاور. دقّت الأجراس ليصطف الأولاد في ملاعب مدارسهم. أحذية. جميعنا ينحني بأحذية. لا أحد يتجرأ أن يمشي حافي القدمين، ولن ترى أيضاً امرأة عارية تقف على ناصية الشارع، فذاك المكان مخصص بكل أسف لشرطي السير فقط. تدخل الى مكان عملك فترى الوجوه المتجهمة نفسها. لا تتساءل كثيراً كيف أمضى أصحابها ليلة أمس، فأنت تعرف أنهم سيخبرونك بالتفاصيل من تلقاء أنفسهم. تحييهم وانت ترتدي نفسك الأخرى. تزجّ بجسدك في مكانه المعتاد، تنظر اليهم بلمحة خاطفة وتردد عبارتك المألوفة "صباح الخير"، أما اذا حالفك الحظ وكنت عالي المزاج، فتتحضر وتقول "بونجور". تشعر أنك ما عدت في حاجة الى أن ترسل أوامر أو إشارات الى جسدك، او الى أعضائك، فقد حفظ جسمك الشريد ميكانيكية الأمور. شفتاك تطلقان الحروف من دون أي جهد لتحريكهما، لسانك يدور بطريقة روتينية، وذهنك لا يستهلك الكثير من طاقاته المختزنة في داخله. تستطيع أن تأمل وأنت ترتشف فنجان قهوة أعدّته أم سمير، أن ترتدي إحدى زميلاتك ثوباً فاضحاً ينسيك أنه يجب عليك ان تقتل ساعات العمل التي تمر ببطء. لكن، يا لسوء الحظ. حتى ناديا اتسمت اليوم بالاحتشام بعدما وعظها المدير، اذ لم يقوَ على احتمال رؤية مفاتنها. تستسلم لأكوام من الأوراق والملفات ملقاة أمامك، تراجعها بلا مبالاة، وتتظاهر بأنك تدقق فيها اذا ما سمعتَ وقع أقدام تتجه صوبك. تلقي دعابة سخيفة لتسترعي اهتمام ناديا، لكنها تبادلك ابتسامة صفراء، ترمقك بنظرة ثاقبة ثم تشيح نظرها عنك. تتساءل الى متى تستمر هذه المهزلة. يطغى عليك شعور بأنك أهم من ذلك. تنتابك رغبة جامحة بالدخول الى مكتب مديرك والصراخ في وجهه والبصق على جاكيتته المترفة وشتم راتبك الحقير الذي لا يكاد يكفي لتأمين أبسط حاجياتك. تتوقف. تستعيد توازنك، تتأوه بحرقة. تسترجع وجه والدتك الراقدة في سريرها من شدة المرض وأولاد شقيقك الثلاثة المحشورين في غرفة واحدة في منزلكم. تنظر الى ناديا مجدداً، تستعطفها ان تنظر اليك علّك تشعر بإنسانيتك، فتجدها منهمكة في الدلع على رشاد، زميلك في العمل الذي ورث حديثاً أملاكاً وعقارات عن جدّه البخيل. لم يسلّفك والدك سوى الهم، بالكاد كان قادرا على تأمين رغيف خبز تلتمّون حوله، أنت وإخوتك كل مساء، وتنتظرون المناسبات الكريمة لأكل اللحوم. مرةً أخرى تلعن الحياة في سريرتك، وتتأوه بحرقة. تصمم ألا ترفع رأسك عن أوراقك مجدداً. ما لكَ ولجلد الذات! تدقّ ساعة المغادرة. يمضي يوم آخر في العمل، تمشي مطأطئ الرأس، يداك في جيب سروالك، تشتري بعض أنواع الخضر وتواصل السير. تداعب حالكَ قليلاً ثم تنقطع عن اللمس. أنت في حاجة ماسة الى أنثى وليس الى فيلم إباحي جديد. ولكن، لا مفر. تتوقف الى جانب بائع الافلام أبو عمر وتهمس في أذنه. يضحك قليلاً، ويناولك شريطاً جديداً. يخبرك أن هذا أحدث الموجود في الاسواق حالياً. يدعو لك بالتوفيق ساخراً ويطمئنك أن هذا الفيلم سيجعلك تتخطى حدود السماء. معرفتك بأبي عمر عمرها من عمر ادمانك الافلام الاباحية في الثالثة عشرة. ما زلت تذكر كيف شاهدت اول فيلم مع اولاد جيرانكم حين سافر ذووهم في إحدى عطلات نهاية الأسبوع. يومذاك دخلتَ عالم الجنس ومتاهاته الغريبة من أضيق أبوابه. جلستَ مسمّراً امام شاشة صغيرة وانت تشعر بفوران غريب كان بدأ يرافقك. آه من ذاك الشبق الذي دهمك واجتاحك في اشد لحظات حياتك احراجاً، في المدرسة وانت تستمع الى دروس اساتذتك. انتصابكَ بدّد تركيزك وأضناك، حتى لتخال احياناً انه لن يهدأ. وسط ضحكات أصدقائك وتهافتهم على تلك الأقراص المدمجة، اكتشفتَ ابو عمر ومحله الصغير على ناصية ذاك الشارع، الذي ترى فيه ملامح طفولتك المشردة والفقيرة. "لماذا نحن فقراء؟"، سألتَ والدتك في إحدى المرات. أخبرتكَ أن والدك لا يملك الكثير من النقود وأنه يعيل ستة أطفال، انت وشقيقك سليم وشقيقاتك الأربع. تفتح باب منزلك، يتعالى الضجيج المترامي. سعال والدتك، زعيق اولاد اخيك، يلتهمان سمعك. تفتح الثلاجة. تُخرج بقايا طعام، وتأكل بدون شهية. تقذف تفاحة طازجة في الهواء، تقضمها من دون ان تغسلها، ثم تدخل الى سريرك لكي تنعم بقيلولة صغيرة. ضجيج. ضجيج يتعالى في رأسك. تنتابك رغبة عارمة في البكاء. لا تستطيع. كيف تبكي وأنت رجل؟ تسمع طرقا شديداً على الباب، تقوم مذعوراً. جارتكم لبنى تدخل كالمصروعة وتقتحم غرفة الجلوس. تُجلسها زوجة أخيك وتحاول ان تهدئ من روعها. تبدأ الجارة بإطلاق الشتائم، تقسم انها لن تعود الى زوجها، تهدد وتتوعد وتصف كيف انهال عليها ضرباً. تكشف عن كتفها أمام زوجة اخيك: "شوفي، ايدي كلها زرقا!". تنظر الى عينيها، ملامحها تشبه احدى بطلات افلامك الاباحية. تمر برأسك تخيلات عن فراش يجمعك بالجارة المأزومة. تحاول طرد افكارك الشيطانية، ويأتيك صوت زوجة اخيك مجدداً وهي تحاول استيعاب غضب صديقتها: "طوّلي بالك يا ست لبنى، هلّق بيروق". "أنا بنضرب يا ناس، أنا بنضرب؟!"، تندب الست لبنى شاكيةً حظها العاطل. تفضّل الا تعطي الامر اهمية كبرى، فالاسطوانة المعهودة تتكرر كل يوم. حتى جدران منزلك وسقفه الذي يتأكله النش اعتاد سماع جارتكم تتذمر وتتوعد ثم تعود الى احضان زوجها خاشعة. تنزل لتتمشى قليلاً على الكورنيش، صور حياتك اليومية محشورة في رأسك وتلاحقك باستمرار. تشتري زجاجة كوكا كولا، تضعها بين شفتيك وتشربها كرعةً واحدة، ثم تواصل السير. الساعة الأولى بعد منتصف الليل، تقلب قنوات التلفاز، جميع أهل البيت نيام، تستمتع بالسكينة. تستغل الفرصة لتشاهد الفيلم الاباحي الذي اشتريته. يبدأ العرض. بطلة الفيلم مثيرة ولكن وجوه نساء عدة تمر في رأسك في الحين نفسه. تتداعب قليلاً ثم كثيراً وسريعاً ثم تشعر بالإرهاق. تغيّر القناة. انت في حاجة ماسة الى أنثى. "جديد الفنان سامح الصغير"، فتيات يتراقصن على الشاشة وأغنية "حبّك سكّر زيادة" تصدح من التلفاز. سامح الصغير. نعم، لقد كان أحد زملائك في أيام الدراسة، وتربطك به معرفة وثيقة. سامح الذي تعثّر بالحظ اثر اشتراكه في أحد برامج الهواة المنتشرة في عهدنا، يتصدر اولى المراتب في مبيعات الاسطوانات. تنظر الى نفسك. تشعر انك ذاك المعتوه، مدمن الأفلام الإباحية، أسير ذاك الحي الصغير وتلك الوظيفة القاتلة. أغنية تافهة فعلاً، ولكن سامح محاط بالفتيات، وليس ببضعة أقراص مدمجة وشرائط فيديو. ها انت ملقى على كنبة غير مريحة، عاجز عن استعطاف حتى زميلتك في العمل، ومضطر للتذلل للمدير الأحمق. تقرر أن تتصل بسامح عند أول إشراقة شمس، علّه يتذكرك ويزجّ بك في إحدى اغانيه المصورة. تتعثر ألف مرة قبل أن تجد رقم هاتفه في دفترك القديم من حقبة الدراسة. تنجح في الحصول على موعد للقائه. تدخل الى مكتبه. تستقبلك سكرتيرته وتطلب منك الانتظار قليلاً. "الأستاذ سوف يقابلك في غضون ثوان"، تعلمك بصوتها الدافئ. يرن الهاتف في مكتبها، تجاوب ثم تطلب منك الدخول. "سامح..."، تحاول ان تأخذه بالأحضان. يجاوبك بفتور: "أهلا، أهلا". على الأقل، إنه يتذكرك. يطلب من سكرتيرته الغزالة أن تحضر عصيراً طازجا، ويسألك عن أخبارك محاولا ان يدّعي الاهتمام. تختصر له حياتك وتصفها بأنها مرضية وعلى "قد الحال". تهنئه على نجاحه الباهر مثنياً على أغنيته الرائعة والراقية. "حبّك سكّر زيادة، فعلاً معانٍ عميقة"، تقول له وتحاول أن تبدو مفتوناً بالتفاهة التي يدندنها صديقك. يضحك وينفخ سيجارته في وجهك: "والله زمان يا صديقي، والله زمان". تدخل بعدها في صلب الموضوع. تحافظ على رباطة جأشك وتعبّر له بمنتهى الصراحة عن رغبتك بأن تظهر في إحدى أغانيه المصورة أو بأن تكتب له "شوية أغاني للسميعة". يربّت كتفك، يطمئنك واعداً بأن يبذل قصارى جهده مع مدير أعماله. يعطيك "كارته" الشخصي ويطلب منك الاتصال به في أقرب فرصة ممكنة. تخرج من مكتبه وشيء من الخيبة يرافقك، تعلم جيداً أنه لن يهاتفك. ولكن من يدري؟ تذهب الى عملك مهرولاً. لن تجد اي مبرر إن تأخرت. يجب ان تتجنب اي اصطدام مع مديرك. لن يغفر لك أي خطأ بسيط هذه المرة. لقد استهلكت كل المبررات. تصل على الوقت. تشكر ربّك. تنظر الى ناديا وتخبرها عن لقائك بسامح الصغير. تنظر اليك باحترام للمرة الأولى منذ بداية معرفتك بها. تقترب من مكتبك، وتسألك بدلع أن تزوّدها تفاصيل لقائك بسامح الصغير. تبالغ في نقل الأحداث. تسألك إن كنت في حاجة الى كوب من القهوة. تتعجب من فرط الحنان تغدقه عليك، لكنك تستمتع كثيراً. انت النكرة بتّ فجأةً محط أنظار زملائك. الجميع يعاملك كما لو انك اكتشفتَ مركبة فضائية. وحده زميلك رشاد يبدي امتعاضه من أكاذيبك. يرمقك شذراً بنظرات ذات مغزى ويحاول التقليل من أهميتك. ولكن لا يبدو أن أحداً يكترث. الكل مسحور بوصفك للفنان سامح الصغير. تعرض ناديا مساعدتك في الملفات المكوّمة أمامك، تغمزك وتعاود الجلوس في مكانها المعتاد. كم حلمتَ بأن تبتسم لك تلك الجميلة، وها أنت على خطوات من الحصول عليها. مقابلتك لسامح تخطّت إرث رشاد وغلبت سطوة المدير، فناديا أيضاً تحلم بأن تطأ قدماها عتبة الشهرة والفن. تخبرك أنها تشعر بوجود موهبة مختزنة في أعماقها، وتسألك إن كنت ستساعدها وتعرّفها الى صديق عمرك النجم الصاعد. "الموضوع ليس سهلا كما تظنين..."، تخاطبها بتعجرف. "لكننا زملاء، ولن يصعب الامر عليك كثيراً يا بطل"، تقول ناديا. تبدو زميلتك مستعدة لفعل اي شيء مقابل الحصول على مفاتيح الشهرة. قد ترتمي تحت قدميك لمجرد ان تعدها بأي شيء. هذه فرصتك المناسبة لاصطيادها، فتعدها بأنك ستحاول جهدك. تطبع على وجنتك قبلة حارة بحماسة متدفقة. تبدأ بتخيلاتك. ستأخذك ناديا بين يديها الناعمتين وتداعبك وهي تقهقه. ستمدّ يدها الى أنحائك وتشعرك بسعادة لم تعرفها البتة من قبل. ينتهي دوام عملك بسرعة البرق. تفاجأ حين تجد ناديا في انتظارك. تعرض عليك أن تقلّك الى منزلك. تقول لها ان الأمر ليس ضرورياً لكنها تصر. تجلس قربها في السيارة، تتعمد فك زرّ قميصها الأعلى وإظهار جزء من ثديها. تحبس أنفاسك ولكنك لا تستطيع المقاومة ولا الحفاظ على اتزانك. تسألك عما اذا كنت ترغب في مرافقتها لاحتساء كأس في شقتها. "تستطيع ان تخبرني اكثر عن مشروعك مع سامح، المكان اكثر هدوءاً هناك". تومئ ايجاباً. تشعر انك فقدتَ القدرة على السيطرة على نفسك. هناك دفع غريزي دفين ينبثق من جوفك. لقد ضحكت لك الأيام. الدنيا وما فيها بين يديك. كم استهلكت من رجولتك تلك الأفلام الإباحية القذرة. كم أشعرتك بأنك مهان وغير مرغوب. ولكن ها هي... الشمس تشرق أمامك! تدخل الى شقة ناديا. تجلس على كنبة صفراء. تصبّ لك كأساً وتقترب منك. لا تستوعب كثيرا ما يحصل الى ان ترى سروالها الداخلي المنقّط على الأرض. شيء ما يحصل بينكما. تلتهم جسدها. رائحة عانتها تفوح في جوفك. تقلّد جميع أبطال أفلامك الإباحية. للمرة الأولى في حياتك، جسد في المتناول، شهي ومطواع. ينتهي أول تواصل جسدي بينكما. تطلب منها المزيد لكنها تقول: "لا، ليس قبل ان ألتقي بسامح". تتذكر وعدك لها. في أي ورطة أقحمت نفسك؟ تعود الى منزلك، تمتزج غبطتك بشيء من الخوف. جسدك يتطاير فرحاً ولكنك قلق جداً. يجب ألا تكون هذه المرة الأخيرة تتلمس فيها مفاتن الحسناء. الى عملك صباحاً. نظرات ناديا مثقلة بالتساؤلات. تطلب منها ان تنتظر قليلاً ريثما تدبّر لها الموعد المنشود. أيام تمضي وسامح لا يردّ على اتصالاتك. ذاك النذل الجبان التافه جعل سكرتيرته تخبرك انه مسافر عندما عاودتَ زيارته. يشتد غضب ناديا. تشرح لها انك غير مذنب ومستعد ان تعوّض عنها. تخبرها عن امك المريضة، عن سعالها المتواصل الذي لا يفارق سمعك، عن اخيك واولاده، وتنفجر بالبكاء امامها. تنظر اليك بشفقة ولكنها لا تقترب لاحتضانك ولا للتخفيف عنك. بل تطلب منك الانصراف حالا والنسيان بأنك دخلتَ منزلها أصلاً. تلملم نفسك وتذهب الى افلامك الاباحية. تجلس ناديا في الخيبة والحزن. تشعر بالألم. تتذكر سعال والدتها هي الأخرى، ووالدها السكّير الذي لم يرحمها يوماً. تتذكر اولاد اخوتها، وهربها منهم الى تلك الشقة، الى احضان عشّاق يغدقون عليها الأحذية وأحلاماً من ورق عن النهار اللبنانية
|
| مقالات ذات صلة: |
|---|
|




جنى الحسن --