جنى الحسن --
المشهد الأول : باريس – شتاء 1986
المطر مغرٍ... رائحة الهواء البارد تداعب أنفها الصغير وتتداخل في رئتيها لتعيد ضخّ الحياة...
المطر مغرٍ... تخلع عنها معطفها الأسود الكشمير وتلقيه على الكنبة...
المطر مغرٍ... تفكّ شعرها المعقوص الى الخلف وتنفضه لينهدل...
المطر مغرٍ جداً! تتجّه نحو الباب. تفتحه بهدوء. الساعة الحادية عشرة والظلام الدامس في الخارج لا يرعبها. تمدّ يدها لإحضار كرسي ثمّ تتراجع. لا تحتاج واحداً. تجلس على الأرض المبللة لشرفتها الخارجية الواسعة والمطر ينهمر بشدة على شعرها ووجهها وجسدها وهي لا تشعر بالبرد. العواصف تهدّد الأشجار، تكسّر الأغصان وتحاول أن تزرع بين طيات فؤادها الجزع. السماء ترتعد برقاً ورعداً وهي لا تشعر بالرهبة. تغمض عينيها وتستمتع بالسكينة وتتلذّذ بكل زخّة مطر.
لم يعد يخيفها لا برقٌ ولا رعد، لا غصنٌ سقط عن رحم والدته ولا بردٌ ينخر الأجساد العارية. نشوة، يزودها المطر بنشوة عارمة، نشوة ناتجة عن لذة ترافق جلد الذات، الذات التي تشعر أنها مكتفة الأيادي ومصابة بعجز كلي. تصرخ للمطر وتطلب منه جلدها من جديد. تفقد الإحساس بأطرافها. تشعر بالألم اللذيذ. تحت رشق المطر الذي يبلل حزنها، هي حرة، حرة حتى من نفسها.
لورين التي لجأت الى باريس بعدما عصفت الحرب بلادها تشتاق لأهلها، لرائحة تراب جبلت بحنين المنشأ، تشتاق الى رائحة طعام والدتها الدافئ الذي لطالما اخترق انفها عند عودتها الى المنزل. تعاقب غيابها عن وطنها بعزلة تامة الا عن صديقها العربي الذي يزورها في غربتها. تريد أن تشعر بالوجع، وجع أهلها الذين يرزعون تحت القذائف المدوية. تؤنب نفسها بسبب خيار الرحيل. هي لم تكن يوماً جبانة، ولكنهم أقنعوها بالفرار. ماذا يفعل أخوها الصغير الآن؟ هل يشعر بالخوف، بالجوع؟ لا تملك أدنى فكرة خاصةً بعدما انقطع خط الهاتف في منزل ذويها وفقدت الاتصال بهم.
عند وصولها الى باريس، لا تنكر أنها شعرت بالراحة نوعاً ما، حتى انها انفتحت على مجتمعها الجديد. لوّنت شعرها كالأجنبيات، ارتدت ملابسهن. لم تكن حال أهلها تقض مهجعها كما الآن، حتى أنها أقامت علاقة مع رجل فرنسي لطالما أعجب بشعرها الأشقر المصنّع. لحظة هجرها الفرنسي، شعرت بالوحدة.
عابرة، الحياة التي تعيشها الآن حياة عابرة ليس فيها دفء والدها ولا أصوات أولاد الحي.
عابرات، النساء اللواتي تمر في حياة الفرنسي عابرات.
الفرنسي لم يفهم يوماً لماذا كانت تستفيض في الحديث عن منزلها. كان يستمتع عندما تصف له تصرفات أصدقائها وتخبره عن مدينتها، عن نداء باعتها، جيرانها الثرثارين، ووجه جدتها "فايزة" اللماح، حقول الياسمين الممتدة في قريتها، قطتها التي ترتاح تحت الدرج، وأعين الرجال الثوّار. كان يستمع دون أن يفهم كطفلٍ تروي له جدته حكايا قديمة فيستمتع ويطلب منها ان تستفيض في الحديث. حكايا لورين ليست من الخيال ولا قطع حلوى لتدجين الملل، هي خيوط متشابكة في الذاكرة تتداخل وتضغط على أوتار الفتاة الصوتية كأنها ترجوها أن تخبر عنها. ذكريات تلوح ثم تمضي، لورين تخبر والفرنسي يأكل الشوكولا ويضحك. تشعر بالإهانة، ما أدراه بشوقها لشقيقها الصغير؟ لم يتذوق يوماً طعام والدتها ولم يعبر حقول قريتها. تفكر كم هو تافه!
يوم هجرها الفرنسي، تغير حالها. نظرت الى المرآة، أغمضت عينيها وتلمّست وجهها. تحسّست أطراف شعرها. أمسكت بخصله وتأمّلته. تساءلت لماذا هي شقراء؟ تكره صفار شعرها وامتزاج لونيه. أرادت كسر المرآة. عادت جذور شعرها الاسود تخترقه. تشتاق الى ليله، الى نفسها. رغبت في نثره على الأرض. لم تعد تطيقه. لم تعد تحتمله، تماماً كما لم تعد تستطيع احتمال الفرنسي.
تذهب الى مزين الشعر. تطلب منه أن يعيد لون شعرها الكستنائي. تشعر بمدى السخافة التي آلت اليها همومها. لا تعلم الكثير عن حال اهلها وهي مأخوذة بمضاجعة الفرنسي وتلوين شعرها.
تعرفت فيما بعد على صديقها العربي في "الباص". العربي كان مختلفاً جداً، حساساً وذكياً، له قدرة على الغوص في مكامن نفسها التي تلبسها أزياء مختلفة، شرقية تارة وغربية تارة أخرى. صديقها الجديد لامس ألمها لأنه كان يتألم مثلها. أحب شعرها الداكن وملامحها الشرقية. لم يطلب منها تغيير معالمها الجسدية. أحبها كما هي. أحب أخاها الصغير الذي كلمته عنه، زودها بالدفء. باتت تشعر بالأمان قربه.
لورين تتألم كثيراً، ينقض عليها شعور موحش يستنفذ كل قواها. في إحدى الليالي المظلمة، انتابها عذاب ليس له مثيل. أحست كما لو أن جسدها انفصل عنها. سرت قشعريرة في ساقيها. انبطحت أرضاً واسترسلت بالصراخ، بالأنين. للمرة الأولى، تفقد الفتاة السيطرة. لا شيئ يستطيع تبديد الوجع الذي يتضخم ويتضخم ويرفض أن يتوقف. يتعالى نحيبها. تثور، تبكي، تتعالى تأوهات تخرج من أطراف جوفها، تأوهات لا تنقص الحزن ولا تنجح في تبديده. تجبر نفسها على الوقوف. تفتح البراد وتتجرع الكحول. تهدأ قليلاً.
إنهم لا يدركون أن الطفلة الصغيرة التي تغفو في داخلها متعبة، تعيسة، تتوق للحياة. إنهم لا يدركون أنها طيبة وحنونة. "لم أشأ الرحيل، لم أشأ الرحيل"، تخبر جدران غرفتها.
تتذكر كيف هاتفها الفرنسي كي يلقاها مرة أخرى. صدته دون أن تسترسل بالشرح. لم يفهم يوماً معنى أن تخبره امرأة أنه لا يشعرها بالاطمئنان ولا يتقن الاهتمام بها. لم يبال كثيراً. رفضت لقياه فقال لها أنه لا يكترث كثيراً، سيهاتف أخرى ليمضي معها بعض الوقت وسيتوقف حينها انتصاب عضوه عن ازعاجه. ذاك كان التعبير الذي استعمله بكل صراحة ووقاحة.
في هذا المنفى، حكم عليها ان تواجه مصيرها وحدها دون أن يعينها أحد. العربي أرق ما لامسها منذ زمن. تركض الى الخارج، الى المطر، تهتف للمطر، للخواء، تصرخ أنجدوني.
يأتي هو الساعة الواحدة بعد منتصف اللّيل... يتأبّط تحت ذراعه كتاباً للشاعر نزار قبّاني، ويمسك بيده مظلّة تحميه من المطر. يراها... يشعر بالغضب، يسألها بعنف "لماذا أنت هكذا؟! مجنونة..." يأخذ بيدها ويقودها إلى الداخل. يخلع معطفه الطويل ويغطيها به. يحضر منشفة، يمرّرها على وجهها وشعرها. يبدأ بتحسّس وجهها، تغمض عينيها، تبادله بالمثل، تتحسّس عينيه، أنفه، وجنتيه، شفتيه... يغمرها بحنان. تلقي برأسها على كتفه وتنتعش روحها لمرور المطر وشعوره في ذاكرتها.
تجلس قرب المدفأة، تتأمّل وهج النار المتّقدة... يدخل ليحضّر القهوة... تضع اسطوانة لماجدة الرومي "كلٌّ يغنّي على ليلاه وأنا على ليلي أغنّي، غنّيلك آه يا بلدنا آه علّي سرقوا أرضك منّي..." تغني بصوت تنشق من أوتاره المدامع. يأتي بالقهوة. يرتشفانها بصمت. تعود الحرارة إلى جسدها، يجفّ شعرها والموسيقى مستمرّة. يتأمّلها. تنظر اليه بعينيها الغارقة في الأحزان. تقترب من كرسيه. تجثو على الأرض وتلقي برأسها على حضنه. يداعب شعرها. تبدأ بالكلام "سئمت المنفى... أريد بلدي..." تغنّي يا بيروت، يا ست الدنيا يا بيروت... تسترسل بالكلام الغير واضح "أعشق المطر... أشتاق إلى تراب بلادي... آمنت بعدلك يا رب... أحبّ قربك منّي، شعوري باندماجك داخلي... لا أشعر بالجوع... قد أستطيع إدمان القهوة..."
تسكت. يبدأ بقراءة شعر نزار في الكتاب الّذي جلبه بصوته الغريب، نبرته المحبّبة على قلبها:
مدينتنا...
تطلّ أثيرة عندي
برغم جميع ما فيها...
أحب نداء باعتها
أزقّتها
أغانيها
مآذنها... كنائسها
مدينتنا راضية بمن فيها...
بآلاف من الأموات
تعلكهم مقاهيها...
لقد صاروا مع الأيام،
جزءً من كراسيها
صراصير محنّطة
خيوط الشمس تعميها...
تضحك لعبارة صراصير محنّطة... تضحك ملئ قلبها... تعانقه وتقبّل وجنتيه مقهقهة. تركض إلى الداخل. تحضر عصابة سوداء وتضعها على عينيه. تسكب كأسين من النبيذ الأحمر. ترتشف القليل من كأسه وتسقيه من كأسها. تجلس قبالته. تمسك بيده وتشدّ عليها. تقبّل كفّه، وتبدأ بالقراءة هي الآن، خواطر دوّنته لو وحده، وليس لأحد سواه.
أنت مدينتي
تخفّف وتيرة صقيع المنفى
تحملني للأضواء الوردية
للّيل المقدّس المخضلّ
لذلك الأمل الشحيح المنسكب
وسط الضجر الشاحب والملل الكئيب
لك تهمس النجمات
وتثور الأمواج
وتستكين الأوقات
فتمضي الساعات في وجودك لحظات
وتمضي اللّحظات في بعدك ساعات
تزيل العصابة عن عينيه. تبتسم. تضع اسطوانة أخرى لكوكب الشرق هذه المرّة، ترنّم "خليني جنبك خلّيني، في حضن حبّك، وسيبني أحلم سيبني..."
يمضي اللّيل وهي بين أحضانه وأحضان الخمرة المعتّقة من كروم بلادها...
لوهلة، تنسى المنفى... تنسى الحرب... تنسى الدمار... وتهمس في أذنه :"آمنت بك يا وطني!"
|