|
الاثنين، 17 مايو 2010 - 01:01 |
أحمد ابراهيم* --
القاهرة مشغولة بكتاب ألف ليلة وليلة القصصي، ولندن برماد آيسلندا البركاني. أوروبا مشغولة بحريق اليونان، وسوقها المشتركة مشغولة بعملتها المحروقة (اليورو).
أمريكا مشغولة بحرا بتسربات خليج مكسيك، وجوا بقصف أفغانستان وجبال باكستان. مجموعتى الأوبكOPEC والأوابكOAPEC مشغولتان بالنفط وحرب الأسعار.
والبورصات ملتهبة بحريق وقودها الأسهم والسندات وسلة العملات، وكأنها حرب عالمية ثالثة، حرائق شاملة هى الأولى من نوعها منذ العالمية الثانية، فعلها هي الحرب العالمية الثالثة التي تكهّن بها المنجمون إن صدقوا، لكنها جاءت هذه المرة من بوابة اليورو والدولار، فألتهمت الأسهم والسندات، وقد تلتهم النفط والغاز، وبالتالي الدرهم والدينار. ثم أقرأ عن أوروبا فأجدها بين السطور متصدعة ومصابة بصداع متكرر بتكرار حرف الياء: (اليونان واليورو)، والسوق الأوروبية المشتركة التي أنجبت (اليورو) ولم تنتج حليب الناقة ولا الرطب، قد تؤمن بالتمر بانه يمد الجسم بالطاقات، وباليورو أنها للرأس مصدرالصداع، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعملون، ثم اسألوا أهل الطب ان كنتم لاتصدقون، وثم اسألوا خبراء المصارف الأوروبية ومحافظها إن كنتم لاتعتبرون...! أما انا فمشغول بحليب الناقة وحبيببات من الرطب تلمع بين أناملي لمعان الذهب، أحتسي رشفات الحليب على قضمات من (اللولو)، لاخشية لي جوا من الرماد البركاني الآيسلندي، ولا بحرا بخليج المكسيك الأمريكي، لأني لازلت أتنقّل تنقلات قيس الى ليلاه على النوق والجمال، قائلا أحبها ويحب ناقتها بعيري. أنا على القمّة وفي يدي التمر والحليب، وأين عني (اليورو) أنها في الحضيض، وفي أدناها منذ سنتين، فسقط القناع عن فبركة مكاسب الإثنين، وليسمح لي القارئ تكراري لإسم الحليب، لعلاقة مباشرة بينه وبين اليورو، ليس حليب الناقة وانما حليب الخنازير وجنون البقر عندما حاول مستشار ألمانيا الأسبق هيلموت كول معالجة أزمة حليب جنون البقر فحض على مشروع العملة الموحدة كي تعود المانيا الى اوروبا ويعود الاوروبيون اليها بعد حربين عالميتين باعادة توحيد الرايخ، ومن ثم توسيع الاتحاد كي يضم دول الجنوب الاوروبي ومنها اليونان المتعثرة الآن، لكن سترة النجاة بثلاثين مليار من ألمانيا ثم مئة وعشرين مليار أوربيا، ثم ما تم التعهد لاحقا في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بتوفير نحو تريليون دولار لحماية منطقة اليورو وألمانيا بثقلها الأثقل لم تكن هكذا مسرحية بكل حلقاتها كافية لانقاذ العملة الموحدة ولا مستقبلها القاتم، الذي عبر عنه رئيس الوزراء الايطالي السابق لامبيرتو ديني، "انه عملة من دون دولة..!" التمر والحليب في يدي اليوم فأين عني اليورو الآن..؟ إنها في القيعان وعلى أدناها منذ سنيتن، وأين عنها اليونان إذن..؟ التي دخلت منطقة اليورو فهزّت وأهتزّت بها المنطقة، واليونان رغم انها العضوة الأصغر حجما بين أعضاء الإتحاد الأوروبي، فأعادت أوروبا القوية عقدين للوراء، وأحرجتها بشراسة آسيا الثنائية بالصين وأمريكا واللتان أرادتا للقطار الاوربي ان يتباطأ فتباطأت بل وتجمدت الكوابح. أما هؤلاء الذين كانوا يؤمنون بأوروبا الموحدة بالأمس أصحبوا الآن في موقع الدفاع، وإن أنجبت أوروبا المشتركة شكلا ولونا جنينها دون إجهاض (اليورو)، فلن تنجب لها أجيالا قوية على المدى القصير، ورغم أن منطقة اليورو انطلقت بقاطرة العملة الموحدة (اليورو) لكنها لم تكن منضبطة للدفاع عن وحدة تلك العملة فليسمح لي القارئ الكريم عودتي الى حبيبات تمري وليسمح لي بقليل من لغة التراث العربي التقليدي قبل الخوض في لغة الإزدهار الحضاري الأوروبي عن المال والرجال: إن ماقيل بالأمس ان (النخــلة) عمّةُ الإنسان كان صحيحا لكن بلغة التراث والتاريخ، وما يُقال اليوم ان (اليــونان) أخت الإفلاس بالرضاعة بل وإبنته بالوراثة ايضا صحيح لكن بلغة التمدن والحضارة، فنحن على مفترق الطرق بين لغتي التراث والحضارة لامُسيّرون ولا مُخيّرون بل محاصرون فمحتارون، لا ندري أنبقى بمنطقة اليورو والدولار أم نعود الى منطقة الدرهم والدينار.! لغة التراث نطقت يوما ان الله تعالى هبط بآدم الأرض ومعه من الجنة زوجته حواء وعمته النخلة وجاورته الأرض بالنوق والجمال، والسماء تخاطبه بلغة السماء "عش يابن آدم في الأرض هنيئا بإبنة حواء زوجتك وبالنخلة عمتك وبالناقة نبعتك" .. نعم هكذا لغة التراث كانت التراث كانت قد حدّثتنا ولغة الحضارة اليوم تقول فيما تقول ان اليونان الواقفة بفم نصف مفتوح وأسنان صفراء على مفترق الطرق المؤدية الى منطقة اليورو ودون نخلة فتستظلّ بها، ولا ناقة فتتغذى منها، بل تجري وتلهث وراء (منطقة اليوور)، يونان التائهة في صحراء منطقة اليورو تجري ورائها وهي تجري عنها وقد سُدّت في وجهها النوافذ والأبواب، لا تدري أهي تابعة ام متبوعة؟ فلا عودة لها إلى منطقة الدرهم والدينار لأنها أوروبية الرُقى والحضارة، ويوروية القُوى والإقتصاد، ولامظلّة لها بمنطقة اليورو والدولار، لأنها بثوب التقشف وتقليص الإنفاق. فهل هبطت اليونان من عليائها الأوروبية الى حضيض الغوص البحري العربي أوالزرع البري الأفريقي الآسيوي؟ وهل تعرّت اليونان كاملة للأحواض اللاديمقراطية الأوروبية بالغاز المسيل للدموع في شوارع الإضرابات الإحتجاجية على سياسات التقشف الحكومية، والغازات الخانقة في المصارف، وهل تخلت عنها القوّة اليوروقراطية التي أنجبت اليورو لليونان ثم تخلت عن حضانتها؟ انسان النوق والنخيل اسطورته ان كانت قديمة قدم الانسان نفسه، فكذلك اليونان أزمتها الإقتصادية قديمة قدم اليونان نفسها وليست وليدة هذا الأسبوع ولا هذا الشهر او العام ولا حتى هذا القرن، إنها أزمة تعود جذورها لعشرات القرون، بل ولأكثر من الف وخمسمائة عام للوراء عندما تعثرت إمبراطورية الفليب الثاني ملك أسبانيا وأهتزّ عرشه عاجزا عن سداد ديونه في أعوام 1557 و 1575 و 1569 و 1569 على التوالي، فليس ما حصل في اليونان عام 2010 الا إسطوانة مكررة لن تأت بكارثة محققة أكثر مما أتت خلال حروب نابليون من إخفاقات ثم إستعادة، لأن الأزمات المالية والإخفاق في السداد وإعادة جدولة الديون ليست بكارثة ولا هي أزمة، بل هى روتينينة جدا في دنيا المال والأعمال، فكما ان الجبال تسبقها السهول والقمم تتبعها الوديان، كذلك الإنتعاشات تتبعها الإخفاقات، تماما كما تلاحق السيول والفيضانات والكوارث والزلازل بعضها بعضا ليتبعها إنسان البناء والإنتاج بالحياة تلو الحياة لأنها سنة الحياة. فاليونان تراثيا من موقعها أكثر بلاد أوروبا إرتفاعا على مستوى البحر، هذا البلد الأوروبي التراثي العريق وإن لم تزد مساحاتها 130 الف كم مربع مساحة الأردن وفلسطين، لكنها أورثت العرب جمال العلوم الفلسفية اليونانية ورُقى الطب اليوناني، واليونان حضاريا هذا البلد الرائد في النقل البحري حيث الأولى عالميا في إمتلاك الحاويات والثالثة في إمتلاك السفن على العالم، أعتقد بل أجزم ان ازمتها الاقتصادية بفعل فاعل، ازمة خلقتها البنوك العالمية "جولدمان ساكس" ببيانات مضللة لتعجيل تحويل العملة اليونانية (الدراخما) الى اليورو، إذ نفخت في الاقتصاد اليوناني الصغير الحجم ببيانات مُضخّمة إنتفخت كبالونات عن الناتج القومي اليوناني ونسبة الدين العام المنخفض بفوائد مخفضة وغيرها الى ان تأهلت اليونان للعملة الموحدة (اليورو) ببيانات إقتصادية كاذبة والكذب طبعا حبله قصير فأنقطع الحبل وتبخّرت البالونات وتعيش اليونان اليوم على إنعاشات الوعود الأوروبية والألمانية منها بشكل خاص، والتي تمثل القوة المالية لأوروبا، خرجت المستشارة أنجيلا ميركل أخيرا عن صمتها بالموافقة على اكثر من 30 مليار دولار، ويشكل هذا المبلغ خمس المساعدات المشمولة بالخطة، فألمانيا المضحية بتوحيد شطريها لم تعد مستعدة للتضحية عن أخطاء الآخرين، لكن ألمانيا 80 مليون لعلها راجعت أوراقها أنها بأوربا الموحدة من 500 قد تصبح الأقوى، رغم مواقفها المترددة كانت قد شجعت الأعضاء الآخرين للتساؤل (هل نمشي قدما على هذا الطريق وصولا للنموذج الفيدرالي اليوروقراطي؟ وهل نحن بحاجة لأوروبا موحدة وعملة موحدة فنضحي من اجلها بخزينة الدولة ثمنا باهظا لأخطاء الآخرين.؟) تنفست اليونان الصعداء على الوقفة الأوروبية ولولاها لكانت دخلت نادي الفقراء والدول الميتة، واليونان محظوظة لأنها لم تكن دولة عربية، والا لتركوها تموت جوعا كالصومال او تتمزق تفتيتا كالعراق، او تستغيث منذ 60 سنة وا قدساه..! بل وقد تساوموا عليها وتقاسموا كسيرة خبزها، وقطيعة نعشها، وأتيت بذكر العراق اسما لأن إحصائيات المهاجرين العرب الشرعيين واللاشرعيين في اليونان وهم يشكلون حوالي مليون عربي وجدتها موزعة على ثلاث جنسيات رئيسية: (العراقية المصرية السورية)، والعمالة الاجنبية فيها من اوروبا الشرقية والشرق الأوسط وباكستان وأفريقيا بمجموعة تشكل حوالي 10% من السكان، ولاتزيد نسبة المسلمين فيها على 1.3% معظمهم اتراك وبلغار، ولايوجد اي مسجد في اثينا، إذ ترفض الحكومة التصريح للمساجد في العاصمة لعله بسبب العداء التاريخي القبرصي التركي. كنا نؤمن بوحدة إسلامية، ثم إنتقلنا بنعرات القومية العربية الى وحدة عربية لم نحددها إسلامية ام لا إسلامية، ونرى اليوم هؤلاء الذين كانوا يؤمنون بأوروبا الموحدة، أصحبوا الآن في موقع الدفاع، نتسائل هل كانت تلك الوحدة منضبطة الجسم للدفاع عنها بوحدة الروح، حيث إذا تألم عضوا شاركه الألم كل الجسد؟ لأنه اذا اعلنت اليونان افلاسها فإن أوروبا بأسرها ربما تنهار بدءا بالبرتغال وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا ثم المغرب العربي فصاعدا، وبتركيا وبلغاريا وبلاد الشام ودول عربية أخرى فنازلا..! القائل بأوربا الموحدة آخذة الى الأفول، قد لايردد شعارات الوحدة العربية النارية باننا سوف نرمي بأمريكا في البحر، ولايحلم بالورقة المالية العربية الموحدة من مقديشو الى الرياض، حلم استيقظ منه الأمين العام الأسبق للجامعة العربية المرحوم الاستاذ محمود رياض الذي دون في مذكراته المنشورة قبل عقدين "ان ثلاثين سنة من المثابرة والتعب والارهاق جريا وراء وحدة عربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، أوصلتني على قناعة نهائية ان مجرد التفكير في مثل هذا المشروع ضياع للوقت والدليل ذلك اني ضيعت ثلاثين سنة من عمري في هذا التفكير.! *كاتب إماراتي
|