|
الاثنين، 29 مارس 2010 - 12:01 |
أحمد إبراهيم* --
بسين السلام سرت إلى "سرت" وعدت منها به، ومن خيمة ليبيا كل العرب وقبل ان أفكر في السلام العربي الشامل بصوت عال سمحت لنفسي أن تفكر بصوت خافت عن ليبيا: "ماذا يمنعها الجماهيرية العظمى بخيمتها المفتوحة
لكل العرب ان تُعرف ببلاد كل العرب لولا...(..!) والسائرون الى سرت العائدون منها في وضح النهار، سمعوا ان في جنح الليل وظلامه من جاء هو الآخر للسلام وعاد من قاعدة باجرام الجوية العسكرية في كابول، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما في زيارة مفاجئة والأولى لأفغانستان منذ توليه كرسي البيت الأبيض قبل 14 شهرا كان أيضا جاءها للسلام والسلام وسعادة الامين العام عمرو موسى في مؤتمره الصحفى بعد كلمة الختام للقمة التي خرجت بست توصيات رئيسية (ودون تبني لبيان رسمي)، قوبل بسؤال صحفي محرج عن خبايا المقترحات البديلة وما أضيف على الهيكل الداخلي للبيت العربي من روزنتين: (الديكور التركي العربي والحوار العربي الإيراني)، وكان الامين العام منفعلا في إجابته على هذا السؤال، وطالب السائل بالقراءة الجيدة، فلتمشّى جيدا مع السائل والمسؤول ومع المشاهد والقارئ العربي نحو ذلك الشارع المستهدف من القراءات الجيدة: ولنسر حبوا وزحفا عكس التيار من حيث عاد نتنياهو من أمريكا جوا قبيل القمة، والسير على الأقدام والدواب من الخيل والبغال والحمير إلى سرت الليبية، العاصمة البديلة عن طرابلس رشّحها الأخ القائد معمر القذافي للقمّة العربية التي تحمل رقم 22، قمّة امامها مطبات وخلفها ألغام، فمنها بلا ألغام أحبتي وبلغة أتقنتها القمة، ويتقن صياغتها الكتاب العرب الذين ظلوا ينقلون ويكتبون منذ 22 سنة قبيل وبعيد واثناء كل قمة عربية كيلا ينسب إليهم ما ليس لهم ولا منهم وإليهم.
سرنا إلى سرت على الأقدام وتزامنت المسيرة بإجتماع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بوزرائه بعد يوم من عودته من واشنطن على أحدث مركبة نفّاثة AIPAC المتزوّدة بوقود الدعم العالمي لإسرائيل المغتصبة وبقرار أمريكي إسرائيلي أعلنه يوم الجمعة المتحدث بإسم نتنياهو ان الرئيس الامريكي باراك اوباما ونتنياهو اتفقا على أن اسرائيل يمكنها الاستمرار في البناء في القدس الشرقية، ثم وبعد قليل قام متحدث آخر باسم نتنياهو وقال ان الولايات المتحدة لم توافق على المزيد من عمليات البناء في القدس الشرقية وأضاف المتحدث الجديد "مارك ريجيف" ان ما قاله الأسبق "نير هيفيز" كان يشرح الموقف الاسرائيلي دون ان يشمله الموقف الأمريكي..! فأوصلتنا المركبة الجديدة AIPAC ان صح التعبير على محطة غامضة هى ديدنا وماضينا مع أمريكا باسرائيل وسيبق الغموض مستقبلنا معها، فلنتركها وربيبتها المدلّلة جانبا ولو لفترة نقاهة ونتجه إلى سرت العربية العربية العربية، خاصة وان صحتنا تحسنت فيها بفيتامينات مكثفة من حرف (السين) المتكرر في السطور الأولى من باكورة صباح السبت بالسير الى سرت في السابع والعشرين من مارس 2010 وبما اني لا املك سلاحا غير القلم القاضي ولا مالا غير الكلام الفاضي، فليسمح القارئ العزيز لقلمي المتواضع الشغوف بالدعابة وكثرة الكلام وإن قلّدوني اللقب الشعبي "بيّاع حكي"، ان ينال شيئا ضئيلا من حرف السين المتكرر والتوقف على سين السابع والعشرين وقفة نقاهة تجرنا الى رقم سبعة، حيث لهذا الرقم (7) بالذات علاقة إستراتيجية بالشقيقة (الجماهيرية العظمى)، لأحاطتها بسبع (7) دول مجاورة على الساحل الجنوبي للبحر في شمال أفريقيا عبر حدود عربية وأفريقية وأوروبية برا وبحرا كمالطا والنيجر وجمهورية مصر العربية وتشاد وتونس والجزائر والسودان وغيرها من الحدود المشتركة بشكل مباشر وغير مباشر. وفي عنقي للقارئ بالمزيد عن رقم سبعة (7) إن اراد عبر الميل على ان أمرّ على هذا الرقم هنا من باب النقاهة مرور الكرام، فمع "السابع" والعشرين من هذا الشهر وفي دولة عربية تعد "السابعة" عشرة على مستوى العالم بمساحتها 1,759,540 كم مربع (679,182 ميل مربع) وبأطول ساحل بين الدول المطلة على البحر المتوسط على شاكلة رقم (7) يبلغ طوله حوالي 1.955 بعضوية في كل من منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول المصدرة للنفط في آن واحد، فبعظمة ليبيا السبعاوية هل من مزيد على رقم سبعة ولو عابرا..؟ نعم، ان السماوات والارض سبعة، وأيام الاسبوع سبعة، والقارات من آسيا وأفريقيا الى آخرها سبعة، والبحار من الأوقيانوس الى آخرها سبعة، وانواع طعام الانسان سبعة (فينظر الإنسان ...الى أخر الآية) ومراحل خلق الانسان سبعة (ولو خلقنا ..الى آخر الآية)، وانواع الحيوانات سبعة من الحيوان الناطق الى آخره، ومحارم النسب سبعة (الامهات الى آخرها...)، ومحارم الصهر سبعة من (حلائل الآباء ...الى آخر الآية)، والمواريث سبعة من (الأبوة ...الخ)، ومواضع مياه الأرض سبعة، والالوان سبعة من (أبيض وأسود الخ)، والمعلقات السبع من (أمرؤالقيس ..الخ)، والطواف حول البيت العتيق سبعة، والقراء سبعة وان النبي يوسف كان قد أمضى في السجن سبع سنين، وعبّر تأويل رؤياه لمن رأى سبع بقرات يأكلهن سبع عجاف.
وأخيرا يقال ان مستويات الكتابة أيضا سبعة من الذهن والبصر الى آخره مما اندرجن في نسيج "الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم"، وقد نضيف مفتاح الحاسوب "الكيبورد" ثامنا على القرطاس والقلم ليسمح لي القارئ العودة الى الكي بورد بالعقل وثم الإقلاع منها مرة أخرى ودون مركبة AIPAC الى سرت ليبيا الشقيقة بالخيل والقرطاس والقلم للنظر الى القمة العربية التي اختتمت بسلام. النظرالعربي الى هذه القمة بالذات كان بكثير من التشاؤم وحتى قبل إنعقادها بشهور وفصول لمجرد انها تعقد في ليبيا.! ورغم انها القمة رقم 22 في نظر الجيل الحالي، وان على ليبيا ان تتحمل كل ما حدث قبلها في 21 قمة عربية، الا ان الرقم غير دقيق في نظر من سبقنا من الاجيال، حيث يقال ان قادة الدول العربية التأم لأول مرة قبل ثلاثة وستون سنة في مدينة أنشاص المصرية في مايو 1946 لمناصرة القضية الفلسطينية، أعقبوها بعد عقد كامل من الزمن بقمة بيروت لدعم مصر في مواجهة «العدوان الثلاثي» 1956، لكنها لم تعقد بصفة رسمية من جامعة الدول العربية الا عام 1964 ونحن من مواليده الذي قيل انعقد فيه قمتين متتاليتين لتعزيز التضامن العربي، وتزكية التوجه القومي، والتصدي للتحديات الدولية التي تجابه العرب، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم أصبحت القمة دورية عام 2000 استضافتها القاهرة طارئة دعما لإنتفاضة الأقصى، فمنذ ستين سنة التقى القادة العرب في واحد وثلاثين قمة، 20 منها اعتيادية و11 طارئة، ومهما كانت من قمم متقاربة أو متباعدة، دورية أو استثنائية، جُلّها إن لم نقل كلها تنتهي بروشتة طبية: أن آخر ما فيها هى نفس أولها، وأجمل ما فيها هى جُملها، فلماذا نحن ذاهبون الى القمة المقبلة وماذا صانعون فيها ان لم ندفن الماضي؟! فلا سيرا على الاقدام للمواطن العربي وانما غوصا وسباحة ضد التيار بتفاؤل ونحن عائدون من سرت الليبية حيث كانت قد إنتقلت إليها القمة العربية رقم 22 من قطر حسب الحروب الابجدية للدول الاعضاء في الجامعة العربية بعد تنصل جيبوتي من إستقبالها، وكان هذا الحدث غير المسبوق أمام الأخ القائد العقيد معمر القذافي، لكونها تعقد وللمرة الأولى على الأراضي الليبية التي يحكمها منذ اربعين سنة، فكانت أمامه فرصة تاريخية لإعادة لمّ الشمل العربي بدءا بالعلاقات الفاترة الليبيبة العربية، إن كان حقا ما يقال ان هناك فتور ليبي تونسي، وفتور ليبي مغربي، وفتور ليبي سعودي وخلافات ليبية لبنانية، وإمتناع معظم الزعماء عن المشاركة شخصيا، ومعاتبة الجامعة العربية للجماهيرية الليببة الغنية بالنفط من تسديد حصتها الضئيلة (25 مليون دولار) في الموازنة العامة للجامعة العربية بسبب تحفظ طرابلس على عدم منحها وظائف قيادية في الهيكل الإداري للجامعة وسياسات الجامعة مع الاتحاد الاوروبي، ثم الخلافات بين مصر وسوريا، مصر وقطر، فلسطين وفلسطين، العراق وسورية، المغرب والجزائر، والأوضاع الأمنية العراقية، واللغم العراقي الموقوت بنتائج الإنتخابات المعلنة يوم الجمعة، والتشقق الداخلي اليمني، وخشية الإنفصال الجنوب السوادني وغيرها مما خفى الأعظم.! مشاكل جمّة وعظيمة وصلت على راس الجماهيرية العظمى لمجرد انها لُقّبت بالعظمى..! وانه لقبٌ والله سيقتنع به من زارها ولو مرة واحدة وإن كان يحمل المواطن العربي معه على كتفه حُلّه وترحاله، فما بالكم وقد زرتها (الجماهيرية العظمى) ثلاث مرات عبر كافة منافذها البرية والبحرية، ثم الجوية-البحرية، في اوائل التسعينيات إبّان الحصار اللوكيربي عليها، لا طائرات من وإلى مطار طرابلس وبنغازي، فدخلتها بسلام آمنين مرة عبر حدودها البرية مع تونس "رأس جدير ليبيا" والثانية بحرا من جزيرة "مالطا" والثالثة كانت جوية-برية من مطار قرطاج الى جزيرة جربة، ومنها برا الى طرابلس، وفي جميع تلك الزيارات لاحظت موظفي الحدود من الجمارك والجوازات والأمن يتعاملون معي وكأن مخلوقا جائهم على طبق طائر من كوكب آخر، إذ لم يكن قد وقف امامهم قبل ذلك اليوم مواطنا إماراتيا، ولا تناولوا بين أناملهم جواز سفر إماراتي .. لكن الكل استقبلني برحابة شعبية ليببية أليفة "آنست ليبيا يا أخ العرب" ليبيا التي زرتها وهي محاصرة وجدتها عامرة لايسكنها الغبار ولاتسكنها الأشباح، والليبي لم يكن (كما صورته لنا الإعلام الغربي المعادي) ذلك الجندي التركي المفلس الذي استغلّه العباسيون يوما للتغلّب على الأمويين في شوارع بغداد، ولا هو ذلك المغولي التتاري الذي أعيدت اسطوانتهما على عاصمة الرشيد عام 2003 .. وانما ليبيا من دخلها آمنا وصال وجال بين مرافقها في الأرياف والحضر، ورغم إمتداد حدودها البرية الممتدة الى سبع دول عربية وأفريقية ذات الحضارات المتنوعة والمتناقضة حينا، الا اني لم أجد فيها الا أقحاح العرب من ابناء عمر المختار وأحفاده الشجعان بالإصالة والجود والكرم، وبالحفاوة والترحيب لأبناء العمومة من اينما أتوا الى تلك الخيمة العربية وهم الذين استقبلوا اليوم في سرت القمة العربية 2010 وقادتها.
صحتنا إن كانت قد تحسنت مع القمة، فستطيب بها للأبد من إن شاء الله إن أردناها، فمن ليبيا ذات الحدود السبعة بحضاراتها المتنوعة، قد نؤمّن إحتضان الكفاءات العربية لا مطاردتهم، وسنعظّم إن شاء الله الإدارات العليا من داخل الحدود الوطن العربي بدل إستيرادها من الخارج، ليس من المعقول ان نجلب الخبراء من الخارج إلى القمم والمؤتمرات ثم نعيدهم للمطارات، لاعيب في إستشارة خبراء محليين وان كانوا زبّالين ومزارعين ومراسلين متواضعين وانما العيب ان نجلب الخبير الاجنبي نستشيره وناخذ برأيه ثم نلغيه لأنه إما لم يفهم همومنا او لم يهتم بها (العين المستعارة لاتبك بحرارة) قمة إن أردناها لن تتغذّى بها بعدها الانقسام العربي، فمن مطار الى مطار ومن قطار لآخر متكئين على عصى التوحّد دعونا نزرع الامل في النفوس، اننا اغنى من الاتحاد الاوربي المنقذ لليونان لننقذ الصومال وأفغانستان دون عنصرية قومية ودون تصنيف لدول درجة اولى وثانية وثالثة الى العاشرة، ودون دولة عربية منسية لايتذكرها العرب الا عند "الحشرة"، على انها دول غير مؤثرة أو بشعوب غير متحضرة، قمّة إن شاء الله لا بعدها النظرية الفوقية بين الاشقاء من الملوك والرؤساء، وبذلك سنعيد الوطن الذي كل حجر فيه ينطق بإسم القدس"
*كاتب إماراتي
|