|
الاثنين، 08 مارس 2010 - 12:19 |
أحمد إبراهيم --
في 2010 وللمرة الأولى أفتقدت شركات النفط العالمية رائحة النفط في العراق، وصوبت عيونها بدل حقول نفط دولة صاحبة ثالث أكبر احتياطي في العالم نحو
صناديق الإقتراع في شوارع بغداد الحاضنة للصور والشعارات مختلفة الأشكال والتيارات ومتشابهة المضمون لما يزيد على 6000 مرشح متنافس على 300 مقعد برلماني، إذ كل الطرق في العراق هذه المرة كانت تؤدي الى اللون البنفسجي للناخبين متغلّبا على اللون الأحمر للناسفين الذين أردواه عراقا دمويا أحمرا، فأصرّ الناخبون أن يجعلوه إنتخابيا بنفسجيا أخضرا بلا إنفعالات ولامخاشنات وبإجماع الكتل العراقية من العرب السنة والاكراد والاتراك والشيعة وغيرهم عكس إنتخابات 2005. لايهم إن كان عراق اليوم بعين العولمة، عقلنة، علمنة او العمايم إذا كانت عيون وطنية عراقية، لأن العين المستعارة لن تبك بحرارة، ولأن الفشل العراقي لم يكن بسبب قلة الكفاءات وانما بسبب الإحتلال والسياسات الخاطئة، والفتاوي المزدوجة وتدخلات دول الجوار المعادية التي أوصلت العراق الموحد الى دولة مفككّة وعامرة باللصوص والعملاء،و كاد أن يتحول العراق الواحد الى شقق مفروشة للجنوبيين والشماليين والسنة والشيعة والاكراد والأتراك والآشوريين والإيزيديين والمسيحيين وغيرهم .. وإنتخابات 2010 كانت متميزة وفريدة من نوعها في تاريخ الانتخابات بيوم للمساجين في عنابر زنزاناتهم ويوم للمرضى في أسرّة مستشفياتهم، وللعساكر في ثكانتهم، وللرياضيين المتقاعدين في مقاهي أنديتهم .. إنه مبشر بوحدة العراق وهذا ما نريده لكل العرب. ولا بالضرورة لفائز يحكم العراق بعقله أن يأتيه عقلاء العراق من اليوم الأول ولا في السنة الأولى ليسلموه خريطة منزوعة السلاح من الشمال للجنوب، ليس لأن العراقيين هم أعقل المجانين بين شعوب المنطقة فحسب، بل وأيضا لأن من يستلم القصر الجمهوري في بغداد من جديد قد يورّثه هذا القصر المنطقة الخضراء وبوغريب ومخلفاتها من جديد، فتتناسل بينهما الموصل والفلوجة والبعقوبة والديالي .. وافتراض ان بعض الشعب العراقي من أعقل المجانين، وما هذه التجاوزات إلا فلول من ذلك الجنون المؤقت، وأن العراق الحقيقي سينجلي بعد الإنتخابات وبالعقلنة، وهو البيت القصيد وبه مسك الختام، إنه إفتراض جميل ومرجوّ، دعونا نساند هذا المفترض المتفائل دون إنتقاده بنصف الجنون خشية ان يكتمل النصف الآخر فتصحّ المقولة الدارجة بأن "الجنون فنون". وعلى غرار شركات النفط المشمشمة لرائحة النفط، إشتمت جامعة دول العربية رائحة هذا التفاؤل المفرط من العراق، ورغم ان الجامعة كانت منشغلة بسورة التوبة نيابة عن الاجيال القادمة من أبنائنا بإزاحة تلك العقدة المسرطنة ومطباتها التي عرقلتنا منذ نيف وستين سنة بإسم إسرائيل، فقررت الجامعة ولو بخجل وإستحياء ان تسمح للفلسطينيين بالمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل .. لكنها ورغم انشغالها المفرط بإسرائيل إستقيظت على رائحة العراق وايضا بسورة التوبة وبالآية الكريمة: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم/80 التوبة"، وكأنها بعد تأمل لكلمة "السبعين" من الآية الكريمة قررت إرسال موفدة من سبيعن شخص إلى شعب العراق التائب (إن صح التعبير) لمراقبة الانتخابات، حسب تصريحات السيد علي جاروش مدير الادارة العربية بالجامعة للصحافة: "ان الموفدة السبعينية الى العراق لمراقبة إنتخاباتها البرلمانية برئاسة الامين العام المساعد محمد الخمليشي وكذلك انتخابات تجمعات العراقيين في 16 دولة خارج العراق منها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا والنمسا والمانيا " وأحب أن اوجه لأعضاء هذه الموفدة سؤالين: "هل في العراق كارثة.؟ ثم "ومن الذى أدى العراق بهذه الكارثة.؟" وفي إنتظار الجواب. اليوم للعراق أعداء بأبواقها المجنّدة للكذب والتضليل، وأقلام للشماتة والتشفّي، كما للعراق أشقاء بالدعاء والتمنّي، وحفل العراق الإنتخابي النيابي الذي بعث في يوم واحد مرجو التعويض به عن الأعوام، يوم قد يعيد نفسه مع كل دورة إنتخابية ولايعوض عن الهزائم والخسائر في الأرواح والأموال التي لحقت بالعراق منذ 2003، فكيف نحافظ على عراق الغد إن ولد في 2010 سالما معافى؟ وكيف نضمن حياة الوليد لغده ولبعد غده؟ من الواجب على العراقيين أن يذكروا دائما أسباب الهزيمة، فلايكفي ان يغنّي كل على ليلاه العراقية مرة كل خمسة يوم الإنتخابات بأن "مفيش غير ليلاي أنا, وأنا الحق مفيش غيري، وشعاري الصدق مفيش غيره، وبرامجي هى مستقبل العراق مفيش غيرها" .. هذه الأنائية الغوغائية الدونية الإستعلائية العراقية المعهودة هى التي سحبت قطار العراق دائما للوراء في المنطقة، وعرضته لهزائم رغم تفوقه بمقومات النمو والإزدهار، وسيتجنب العراق تكرار تلك الهزائم البشعة المروعة بذكر اسبابها (الأنائية الإستعلائية الجبروتية) وبعدم تكرارها وتكرارعراق ما بصدام وما بعده، والأسباب كثيرة منها غياب الديموقراطية وقيام الدكتاتورية، والبطش والإرهاب والقمع والإستبداد، وسيطرة الرأي الواحد، وإعطاء العقل والقانون إجازة دائمة بعقل رجل واحد (لوافترضناه بعقل)، ومحو حقوق الانسان بدل محو الأمية، ومن الأسباب أيضا تفضيل اهل الوزير واهل الثقة على اهل العلم والكفاءات والخبرة، وأيضا من الأسباب التوزير بالتزوير والبطش الطائفي بالمليشيات والفساد المالي بالوزارات .. تلك هى الاسباب التي ادت بالعراق الى هذه الكارثة. كان أولى بالعرب ان يأتيهم العراق بالإبداع والإبتكار التقني النووي، لكن العلماء العراقيين المفكرين العباقرة ظلوا مدجّجين في السجون، والوطن لايبنيه الا الأحرار، لم نسمع يوما ان المساجين ساهموا في بناء وطن من زنزاناتهم، او دافعوا عن تراب الوطن من داخل السجون والمعتقلات، لا تتوهموا بأنً السجون والمعتقلات هى القلاع التي تحمي الوطن، تأكدوا ان الخاسر في الإنتخابات وان كسبها بفوز ساحق هو الذي لازال يضمر للمبدعين إذا استلم الحكم، ويخطط لتكبيل الصحافة، وتكميم الأفواه بقطع لسانها .. من يخطط بهذه الطريقة فإنه يخطط لهزيمته وهزيمة كل العراق مرة أخرى وتعيده إلى تلك الهزة التي حولته الى عراق الذل والعدوان، يكذب من يدعي انه محى الهزيمة إن لم يعترف بذنب جاء به وأضافه الى ذنوب من جاء قبله .. لا للكذب بعد اليوم يا السادة والساسة العراقيون، وسيبقى الكذّاب يسدد خسائره للأبد، وسيبقى يحمّل الوطن ذنوب أكاذيبه لغد ولما بعد غد فلا تنتخبوا الكذّابين. طلاء الانتخابات وأصباغها لن تدوم، وطبول الخطب الرنانة لن تكسب العراق بريق الحضارات، وبعد التصفيقات الإنتخابية المؤقتة تنهال عليه اللعنات في السياسات الخاطئة، ما حدث للمواطن العراقي في وطنه كان قد حدث قبله للمواطن العربي في نكسة حزيران التي حطمت معنوياته ولوّثت روحه ودمّرت كبريائه، تلك الهزيمة التي ألحقت بالعرب هزائم تلو الهزائم، هزيمة لن تمحى الا بالديمقراطية، والحرية الحقيقية بحقوق الانسان في بيته في متجره، وفي مسجده وصومعته وكنيسته وصولجانه، أتركوا المواطن حرا طليقا في وطنه، لاتفرضوا عليه الإدارة السياسية والمذهبية والطائفية وهو في طريقه إلى لقمة العيش في مزرعته او مطحنته، لا تكمّموا الأفواه من رياض الاطفال الى صفوف المدراس ومن الجامعات الى قاعات البرلمانات، ولاتخفوا الحقائق عن المواطن لأنه بمثابة أن تقفل عليه الأبواب والنوافذ وتعيده الى فراش مدبّب في غرفة مظلمة ثم تقول له عبر التلفاز والمذياع انت حر في بلد الأحرار يابطل. العراقي رغم الحرية مكبل اليدين والقدمين امام الجهات التي توزع الفتاوي على المواطنين، فتوى توجب الإنتحار وفتوى تحرمه، فتوى توجب الإنتخاب وفتوى تحرمه .. فليحاور هذا المفتي الدخيل (وهو اساس البلاء في العراق) الطرف الآخر بدل أن يراه ضالا منحرفا او كافرا مهدور الدم يجوز قتله بل ويجب قتله وللقاتل مفتاح الجنة من المفتي يحمله معه إلى قبره..! وليحاور شباب العراق الطرف الآخر بدل ان يراه علمانيا براغماتيا لينينيا إشتراكيا أوبعثيا إجتثاثيا، وليحاورن النساء الطرف الآخر على إمتداد العراق الفسيح وليس من زاويا المكياج والحجاب والنقاب، وليحارب الرئيس العراقي المنتخب من اليوم الاول عن كل هزيمة لحقت بالعراق وعن كل ساعة هدرت فيها كوادر العراق وكل قطرة دم أريقت على أرض العراق، وبذلك سيحميه من هزائم جديدة، ويبقيه عراقا يلد معضّلا مع كل دورة إنتخابية ويعيش سالما لسلامة العراق *كاتب إماراتي
|