|
الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009 - 13:00 |
أحمد ابراهيم - أخبار العرب.نت --
الشمس(تلك الحارقة) لا تحرق من عرف الطريق إليها ليستفيد فجعلها تُفيد وتستفيد، والشمس (تلك التي لا تُباع وهي حارقة)
هي نفسها تُشترى قطرات ضوء منها ببلايين المليارات للإنارة باسم الكهرباء والطاقات الإنتاجية وما بات يُعرف مجددا بالطاقات المتجددة، أواليورانيوم المخصب والتي يُخشى منها وعليها في آن واحد، الشمس تلك وتلك هي نفسها التي أشرقت الأسبوع الماضي على الكويت الشقيقة حيث القمّة الخليجية الثلاثين، وأشرقت على العاصمة الدنماركية كوبنهاجن حيث قمة المناخ.
أرى بعض الكتاب يكتبون كمنجمين لست بصفهم ولا بصف قارئة الفنجان، ولكن دعونا نقرأ معا وفي ضوء شمس اليوم عيون قادة العالم وبجميع أطرافها المشاركة في قمة كوبنهاجن وهي 194 دولة، والذين غادروا المطارات الدنماركية قبل أيام تسكنها الشروط والشروط المضادة، شروط غير ملزمة فغير نافذة، شروط غير ضارة فغير نافعة، خرجوا منكّسي الرؤوس لا ينظرون إلى الشمس لأنها حارقة تولّد الكربون والدخان، وتنبعث منها غازات الاحتباس الحراري، خرجوا جميعا بعد أسبوعين من المحادثات المضنية بين الدول المشاركة التي تصدرتها الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل و جنوب افريقيا، الذين اتفقوا (دون الموافقة على الاتفاق بشكل رسمي.!)) على تخفيض درجة حرارة الأرض درجتين مئويتين مقارنة بما قبل فترة النهضة الصناعية، وخرجوا بوجوه ساخرة ليست بينها ضاحكة مستبشرة بل ومنها شاحبة أشغلتني بينهم ملامح مندوب جزيرة "توفالو" الواقعة في المحيط الهادي التي يقال عنها إنها قد تُمحى من الوجود بسبب المناخ. قمة كوبنهاجن وصفتها صحيفة "الجارديان" البريطانية في مقالها الافتتاحي يوم الأحد (بالفاشلة) رغم كونها القمة الأولى بحجم الحضور والدعم اللوجستي والإعلامي منذ الحرب العالمية الثانية، كما وصفتها صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأمريكية على صدر صفحتها الأولى بكلمات "ترحيب إمتزجتها بل وسادتها السخرية"، رغم وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما "اتفاق كوبنهاجن" في آخر تصريحاته بأنه "انفراجة غير مسبوقة"، فظلت العناوين الرئيسية للصحف الأجنبية تتحول إلى العوازل عن الطلاء لتصريحات رؤساء دول المشاركة كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول العظمى .. حقا إنه "تهرّب تاريخي مسبوق" أعيد هيكله بكوبنهاجن كما قد يُعاد بالمكسيك في القمة المقبلة عام 2010.
القمة لم تضف لسجل التاريخ عدى تهييج الشارع الدنماركي طيلة الفترة باللافتات الاحتجاجية للمضربين، وإشغال العالم إعلاميا فتذكرنا المثل العربي: "إنها أتت بجعجعة دون الطحين"، وعلى سبيل تذكير القراء الأعزاء ولتقريب أذهانهم إلى مثل"الجعجعة والطحين" أستسمحهم إلى مثال آخر يتعلق ببرطمان العسل المصري في الأرياف لدى الصعايدة، وبما يترابط ذلك البرطمان بجيوش من الذباب، نعم، هذا أقرب الأمثلة المفسرة "للجعجعة دون الطحين".
"قمة كوبنهاجن" عصارتها ثلاث كلمات: "اتفاقية أمريكا والصين"، وتنصّ هذه الاتفاقية على الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بدرجتين مئويتين قياسا على مستوياتها قبل الثورة الصناعية، وختامها ثلاث كلمات: "اتفاقية غير ملزمة" بين كل من الولايات المتحدة والصين وبموافقة ألمانيا وبريطانيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، بتخصيص 30 مليار دولار للدول الفقيرة على أن ترتفع إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020.
ثم ونقرأ (طبعا ودون قارئة فنجان) نقرأ في أضواء نفس الشمس المضيئة (غيرالحارقة)، في وجوه قادة دول مجلس التعاون الذين أرادوا من الشمس المزيد من العطاء بالإضاءات ومنها "كهرباء الخليج" لمنطقة أنعم الله عليها بالخير، فلم يبخل قادتها على شعوبها يوما، حيث لا تخلو سكة حضرية ولا خيمة صحراوية أو قرية بدوية في دول مجلس التعاون الخليجي الا وخدمات الماء والكهرباء وصلتها قبل أن تصلها الرياح والطيور، وها هم القادة اختتموا في الكويت "القمة الخليجية الثلاثين"، وقد تناولت قضايا التعاون والتنسيق المشترك في جميع المجالات، والأقرب منها تنفيذا ومنالا كان خبر قرب تدشين مشروع الربط الكهربائي الموحد بين دول المجلس، إضافة إلى إنشاء هيئة لربط سكة الحديد فيما بينها على طول ألفي كيلو متر بتكلفة 25 مليار دولار، ومشروع الاتحاد الجمركي، خطوات تعكس لنا دروس وعبر من تجربة الاتحاد الأوروبي بين شعوب وبلدان تختلف منحدراتها القومية والإثنية واللغوية والثقافية ويحكمها تاريخ طويل من المنازعات والحروب الدامية، واستطاعت تجاوز كل هذه التناقضات بإقامة كيان موحد إزاء قرية العولمة.
ويكفي الخليجيون فخرا واعتزازا بين الأمتين العربية والإسلامية أن "مجلس التعاون الخليجي" هو أول تجربة وحدوية تحققت في الثمانينيات كسابقتها التجربة الإماراتية في السبعينيات، غير أنه مهما كانت الصياغات والمواثيق عبرالبرتوكولات تكفينا أساسات الكيان الجغرافي الموحد بجذور تاريخية وبخصائصها التراثية والثقافية واللغوية المشتركة، ذلك لأننا وقبل كل شيء كنا من الخليج إلى الخليج عبر النوق والجمال والقوارب الشراعية، وسنبقى منها وإليها عبر السكك الحديد، فلن تأت بجديد على غرار ما أتت السوق الأوروبية المشتركة من بناء جسور التقارب بين شعوب متفاوتة الحضارات والأعراق، فالعملة الموحدة أوالاتحاد الجمركي والقطارالخليجي وإنشاء هيئة إقليمية للاعتماد الأكاديمي وتعزيز الأمن المائي والغذائي وتدشين الربط الكهربائي كلها أدوات وإن كانت تبشر بقرب السوق الخليجية المشتركة، لكنها لن تضيف لُحمة جديدة بين أبناء اللُحمة الواحدة قدرما تشدّ من أزها.
فمشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس المقدرة تكاليفه بـ 1.6 بليون دولار، مؤكد وضروري لمواكبة معظم دول العالم المرتبطة ببعضها كهربائيا، وذلك لتوافر المادة وتوازنها ضمن معادلة العرض والطلب إقليميا وسيعود بالفائدة على المنطقة حسب الدراسات التي أجريت بين الدول لاسيما في حالات الطوارئ، وهو على ثلاث مراحل: الأولى ربط البحرين بالسعودية وقطر والكويت، والثانية تشمل شبكتي الكهرباء الداخلية بالإمارات وعمان ثم المرحلة الثالثة والآخيرة وهي على جزأين: (أ) ربط دولة الإمارات ببعضها أولا في 2011، (ب) ثم ربط السلطنة بحكم موقعها الجغرافي من خلال الشبكة الإماراتية، هذا الاتفاق يعد من المشروعات الاقتصادية الواعدة بفرص استثمارات ضخمة بين دول المجلس للقطاعين الحكومي والخاص، في ضوء النمو المتصاعد لإستهلاك الكهرباء، حيث ارتفع مقدار الطاقة المولدة في دول المجلس من حوالي 198600 ميجاواط / ساعة عام 1998 الى حوالي 262500 ميجاواط / ساعة عام 2003 أي بمعدل زيادة قدرها 5.7% سنويا وسيبقى في تصاعد ونمو بنمو السكان والمرافق والمنشآت.
إنه قرار حكيم لتغيير جميل، وكل تغيير جميل كيفما بدى في البدء، لأنه لا يؤذي بل يغفر ويصبر إلى أن يُكشف الصواب من الخطأ، ذلك الخطأ الذي لما كُشف الغطاء عنه إن لم نفكر في التغيير، فإلى التغيير إلى الخير دائما يا أهل الخير في بلاد الخير .
كاتب إماراتي
|