|
النهار -- هل يعلم الآباء بما يتسلى اليوم أولادهم حين يذهبون الى ما يدعى بـ"Internet Café؟!
رمتني طوائح الزمن بدخول احد مقاهي الـ"Internet Café" فكانت دهشتي عظيمة لما يلهو به الفتيان الذين لم يتجاوزوا في غالبيتهم الخامسة عشرة. حين دخلت كانت معظم مقاعد المقهى مشغولة. بصعوبة حصلت على ركن في المقهى، جلست وكان جاري لا يتجاوز العاشرة من عمره، يلعب بمهارة وسرور، ويتنادم ورفيقا له على جهاز آخر فيناديه وهو يلعب تمهل حتى اقتله! ويعلو صوت ازيز الرصاص من "المونيتر"، فالتفت لأرى ماذا يجري في جواري، فاذا اللعبة هي حرب شوارع "Call Duty" يقوم اللاعب الجندي بقتل العدو، وحين يصيب رصاصه من العدو مقتلاً، ينفر الدم القاني منثوراً في كل الأرجاء، فيهلل الطفل بشراً لهذا المنظر المقزز، ويصرخ ملؤه الفرح قائلاً: "قتلته! قتلته!.
يستمر الطفل بانفعالاته، وتستمر اللعبة "Call Duty" وصوت أزيز الرصاص وصراخ اللاعبين حتى يأزف انتهاء الزمن المربوط مقداره بما دفعه الطفل من نقود لصاحب محل الـ"Internet Café".
اللعبة الالكترونية ذات تقنية عالية، تتماثل والواقع، ويخيل لمن يلعبها انه فعلاً في ميدان من ميادين القتال، ترافق الموسيقى التصويرية الحدث، واصوات الرصاص المنطلق من الرشاش كأنها صوت الرصاص الحقيقي، والانفعال لمن يجلس امام "المونيتر" مدوزن ليتطابق وانفعال من امام حدث حقيقي، والقتيل هو انسان من لحم ودم ينتفض الماً والقاتل الجندي لا يلتفت اليه بل يتجاوزه ويدهسه برجليه ساعياً نحو قتل انسان آخر.
انها التقنية الحديثة بأعلى درجاتها من الاتقان. انها حرب دموية حقيقية قذرة ليس فيها شفقة او رحمة. انهيت ارسال رسالتي الـE-mail وخرجت هارباً من ضوضاء وصراخ من يهللون لفوزهم بقتل من يواجههم ولرؤيتهم الدم المسفوك للانسان الذي سقط مدرجا بدمائه والذي لا يتوانون عن دهسه بأقدامهم وهو ينتفض ألماً.
في طريق عودتي حلت بي الكآبة وراحت تساروني التساؤلات عن اشكالية ما رأيت. يتميز العالم الغربي المعاصر بأنه عالم الماديات المبنية على المصلحة وليس فيه من امور عبثية وهذا البرنامج اللعبة هو من انتاجه، فتساءلت لم تم تصنيع مثل هذا البرنامج اللعبة؟!
وبالاجابة عن السؤال، فهمت ما لا يصدق من ممارسات نقلتها وسائل الاعلام، عن منجزات القوات الاميركية في سجن امتداده ارض العراق وافغانستان. وما شاع عن سجن (ابو غريب) ليس سوى نموذج له وللآن ما زال يحصل، بالسر او بالعلانية، سواء على أرض العراق أم على أرض افغانستان.
ما رأيناه وسمعناه عن منجزات القوات المتحالفة من اميركية واوروبية في العراق وافغانستان هي في الغالب ثمرة لتدريب جنود التحالف على مثل هذا البرنامج الذي يتلهى به اطفالنا. فأغلب الظن انه صنع ليتدجن فيه الجنود "on duty" المتحالفة على تبليد احساسهم الانساني ومن ثم قتله، فأصبح جنود التحالف هم جنود الموت بلا شفقة او رحمة تخالط قلوبهم، يمارسون القتل بشعبنا لعبة تدربوا على حسن اتقانها.
أيها الآباء، هل النقود التي تعطونها لأطفالكم، هي ليتدربوا وليصبحوا قتلة ومجرمين؟!
بقلم المهندس غسان سميح الزين
|